ابن خلدون

454

تاريخ ابن خلدون

المصر طلق وعنانها مرسل يتجاذب كل الخصوم منها رسنا ويتناول من حافته شقا يروم به الفتح على خصمه ويستظهر به لارغامه فيعطيه المفتى من ذلك ملء رضاه وكفاء أمنيته متتبعا إياه في شغب الخلاف فتتعارض الفتاوى وتتناقض ويعظم الشغب ان وقعت بعد نفوذ الحكم والخلاف في المذاهب كثير والانصاف متعذر وأهلية المفتى وشهرة الافتاء عندنا فلا يكاد هذا المدى ينحسم ولا الشغب ينقطع فصدعت في ذلك بالحق وكفحت أعنة أهل الهوى والجهل ورددتهم على أعقابهم وكان فيهم ملتقطون سقطوا من المغرب يشعوذون وهناك ولا ينتمون إلى شيخ معروف مشهود ولا يعرف لهم كتاب في فن اتخذوا الناس هزوا وعقدوا المجالس مثلبة للاعراض ومثابة للحرم فأرغمهم ذلك منى وملأهم حسدا وحقدوا على وخلوا إلى أهل جلدتهم من سكان الزوايا المنتحلين للعبادة ليشترون بها الجاه وتجترؤوا به على الله وربما اضطر أهل الحقوق إلى تحكيمهم فيحكمون بما يلقى الشيطان على ألسنتهم يترخصون به الاصلاح لا يزعمهم الدين عن التعرض لاحكام الله بالجهل فقطعت الحبل في أيديهم وأمضيت حكم الله فيمن أجازوه فلم يغنوا عن الله شيئا وأصبحت زواياهم مهجورة وبئرهم التي يمتاحون منها معطلة وانطلقوا يواطؤون السفهاء من النيل في عرضي وسوء الأحدوثة عنى بمختلق الإفك وقول الزور ويبثونه في الناس ويدسون إلى السلطان التظلم منى فلا يصغى إليهم وآنا في ذلك محتسب على الله ما منيت به في هذا الامر ومعرض فيه عن الجاهلين وماض على سبيل سوى من الصرامة وقوة الشكيمة وتحرى العدالة وخلاص الحقوق والتنكب عن خطة الباطل متى دعيت إليها وصلابة القود عن الجاه والاعراض متى غمزني لامسها ولم يكن ذلك شأن من رافقته من القضاة فنكروه منى ودعوني إلى متابعتهم فيما يصطلحون عليه من مرضاة الأكابر ومراعاة الأعيان والقضاء للجاه بالصور الظاهرة أو دفع الخصوم إذا تعذرت بناء على أن الحاكم لا يتعين عليه الحكم مع وجود غيره وهم يعلمون أن قد تمالؤا عليه وليت شعري ما عذرهم في الصور الظاهرة إذا علموا خلافها والنبي صلى الله عليه وسلم يقول من قضيت له من حق أخيه شيئا فإنما أقضى له من النار فأبيت من ذلك كله الا اعطاء العهدة حقها والوفاء لها ولمن قلدنيها فأصبح الجميع على إلبا ولمن ينادى بالتأفف منى عونا وفى النكير على أمة وأسمعوا الشهود الممنوعين أن قد قضيت فيهم بغير وجه لاعتمادي على علمي في الجرح وهي قضية اجماع وانطلقت الألسن وارتفع الصخب وأرادني بعض على الحكم بغرضهم فتوقفت وأغروا بي الخصوم فتنادوا بالتظلم عند السلطان فجمع القضاة وأهل الفتياء في مجلس جعل للنظر في ذلك فخلصت تلك